من المهم أن لا يكون لديك الكثير من الاشياء التي تتحسر عليها وتحبها في بيتك، فأنك لا تعرف متى يبيعونها ويأتي رجل أجعد الوجه بثياب تملؤها الاملاح وتقف عربتة المضحكة عند الباب ، فيأخذ سريري وسرير أختي وينقد والدتي بعض المال ولا تبدو هي الاخرى سعيدة ، ويذهب المال الى رجل بدين أو الى بائع الخضار أو الى أي جهة لا يسعدني معرفتها كي لا أوجه اللوم عليها فيما بعد .
كانت أختي ترسم على الجدار أشياء عدة ؛ بيت ؛أم ؛شجرة، ولم تضربها أمي بل قررت أن تشتري لنا ألوان مائية وفرش تلوين بأحجام متنوعة وما أن تكمل عملها اليومي حتى تنادينا ، وتنظر في أعيينا المنكسرة بود كما الالهة فتسألني :- " ماذا سارسم لك؟."
نظرت الى وجهها المستدير كما الشمس :-" إرسمي لنا شمساً ".
أخذت اناملها النحيفة تتحدث الى الجدار وأصبح للشمس عيوناً زرقاء وفم أحمر.
فقفزت أختي :- أمي ، أمي وأنا سترسمين لي فراشة ". كانت تغني وهي ترسم كانها تواسينا عن الاسرة المباعة وكانت الاغنيات من الجمال ما يعوضنا النوم على الارض في شتاء بارد ، بارد كالخوف.
كيف مر النهار الذي أعتدنا أن نمضيه على الارصفة نمارس التسكع والعبث الى يوم مبهج بفضل ستة ألوان مائية ،أبي ضل يضحك من عقولنا الفارغة ولكنه يعرف أنه لن يرسم لنا شيئاً ولن يقدر في كل الاحوال غير إصدار أحكام لا نريدها عن بيع قطعة أخرى من الاثاث .
جاء نفس البائع الذي سأكرهه الى آخر يوم من عمري الى بيتنا وأخذ الدولاب وبعض أغراض المطبخ وبقي ذهني يحدثني بوجع :-: لماذا لا يبيع أحد أثاثه غيرنا في هذا الشارع ".
بالطبع ستتكفل امي بالدفاع عن سعادتي ، بأن تبذل جهدها في الحديث عن حياة جميلة بلا دولاب وسرير ، وأن العبرة من الحياة ؛أن نبقى في بيت يملؤه الحب والالوان الحلوة، وعليه رسمنا اليوم شجرة كبيرة ورسمنا كل الفواكه التي لم نأكلها في الصيف الماضي، وكم غيمة رسمت لي أمي وكرست كل الظهيرات الممطرة بالحديث عن طفل يشبهني أصطاد الغيمة ورحل معها الى أرض خضراء لا ليل فيها ولا شتاء .
كان أبي يسافر كثيراً للعمل في ميناء البصرة ، ونحن نؤسس عالمنا ونتعلم كيف نخطط أشكال تسعدنا على الجدار المتهالك ، وكلما أمعن الاب بالغياب إزدادت البساتين في البيت وصار الجيران يحبون البقاء مع أمي، وأطفالهم يرسمون معي على الرصيف المنخور حياة لا أجمل منها .
وجاء الصيف ، فأعطتني أمي دلواً رسمت عليه مناظر طبيعية وطلبت مني بيع الماء البارد في موقف السيارت وكان الكل عموما يشترون مني أكثر لان دلوي يناديهم، فسألني رجل يبيع الشطائر إن كنت أجيد تحويل محله الحزين الى ساحل محشو بالنخل والامواج، ففعلت وبعد إسبوع اكملت عملي فصار الكل يسأل عن فتى زرع في الجدار روح البحر وبقيت أدور أغزو كل جدار شاحب أمنحه أبعادي وأجعل الكادحين الذين يمضون نصف أيامهم في الانتظار في سيارت الاجرة يمدون نظرهم الى المحلات المحيطة بموقف السيارت بفرح ويعرفون اليوم أن الدور قادم الى محل آخر .
بل كان الدور على صاحب العربة الذي سامحته من أعماق قلبي المفعم بالالوان على تجريد بيتي من كل صغيرة وكبيرة لاني علمت أن الحياة بالفعل يمكن أن تكون بلا أشياء كثيرة كما قالت أمي ذات الوجه البسام كالشمس ، على أن لا تفقد مع الوقت لونها المشرق في قلبي .